بقلم /الدكتور محمد حسن كامل رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب باريس
” إني أُحبك يا سوزان ” جملة كتبها التاريخ عندما قالها الدكتور طه حسين حينما تزوج السيدة سوزان في 9 أغسطس 1917
نفس الجملة ” إني أحبك ياكريستيان ” جملة قالها محمد حسن كامل للفرنسية ” كريستيان ” في الجو على متن أول طائرة له من
القاهرة باريس في 29 أغسطس 1981
بعد 64 سنة تُكرر نفس الجملة مع اختلاف التوقيت والمكان والظروف
سوزان وكريستيان سيدتان فرنسيتان دخلتا التاريخ .
الأولى هي قرينة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الذي تعرف عليها حينما سمع صوتها وهي تقرأ أبياتاً من شعر راسين ,
فأحب نبرات صوتها وتذكر قول بشار بن برد
” والأذنُ تعشق قبل العين أحياناً “
أما من هي كريستيان ؟
التفاصيل :
في 11 مايو 1981 تقدم صاحبنا إلى القنصلية الفرنسية بالإسكندرية للحصول على تأشيرة دخول فرنسا , ذلك اليوم الذي لا
يُنسى ولاسيما وقد احتفلت فرنسا أمس هذا اليوم بفوز الإشتراكي الرئيس فرانسوا ميتران برئاسة فرنسا بعد أن هزم خصمه
اليميني جيسكار ديستان , صعد صاحبنا سلم طائرة الخطوط الجوية الفرنسية في يوم 29 أغسطس 1981 بعد حصوله على
التأشيرة , وأرشدته المضيفة على مقعده , كانت الطائرة مكتظة بالسائحين الفرنسيين وبعض المصريين , كانت مصر في تلك
الحقبة تشهد رواجاً سياحياً لا نظير له , ولاسيما من فرنسا …ولما لا وهناك زيجة ثقافية بين مصر وفرنسا منقوشة على التاريخ
العريق للبلدين , لقد جاء نابليون بونابرت إلى مصربالمدفع والمطبعة , فخرج المدفع وبقيت المطبعة , الفرنسيون عشاق للتاريخ
المصري القديم , لقد قرأت مؤلفات وكتب بالفرنسية عن مصر تحتوي على معلومات تاريخية لم تزخر بها المكتبة العربية .
بدأت محركات الطائرة في الدوران , وبدأت المضيفة تشرح تعليمات الأمان المنوط بها في الاتحاد الدولي للطيران , وتشرح مسافة
الرحلة وارتفاع الطائرة وميقات الوصول إلى مطار شارل ديغول الدولي بتوقيت باريس , وبدأت الطائرة في التحرك , وصاحبنا
يتلو في نفسه دعاء السفر , ويتمتم بدعاء عدية ياسين , ويدعو بسلامة الرحلة , وتأخذ الطائرة طريقها في الممر الخاص بها ,
وتسرع وتبدأ في الإقلاع , وبدأت في الارتفاع , شعر أن قلبه يرتجف , وهو ينظر إلى بيوت القاهرة , ومصر تتلاشى رويداً رويدً
في خلف السحاب الذي يبدو وكأنه قطع قطنية تطير في الهواء .
وظهرت علامة فك الأحزمة بعد ما استقرت الطائرة والتي بدأت تأخذ طريقها نحو باريس ولاسيما وهي تعبر فوق البحر المتوسط .
كانت تجاوره سيدة فرنسية , يفوح منها عطراً فرنسياً رائعاً لم يدر صاحبنا ما اسمه , عرف بعد ذلك أنه من ” ” شانيل ” بعد أنْ
أقام في باريس , لاحظت السيدة عليه علامات الخوف والاضطراب , وسألته هل هي المرة الأولي التي يركب فيها طائرة ؟ وهدأت
من روعه وقالت له هي لم تتذكر كم مرة سافرت بالطائرة , مرات لا تُحصى ولا تُعد ….ومعظمها لمصر …فهي من عُشاق مصر
, وتجيد الحديث بلغة أهل النوبة , وبدأت الحديث معه بلهجة مصرية , هنا أطمئن وهدأ روع صاحبنا …سألته عن اسمه وقدمت
له نفسها قائلة أنا :
كريستيان …..!!
” كريستيان ديروش نوبلكور” …..باحثة في المصريات وعالمة أثار
قدم نفسه لها , وقال انه ذاهب ليدرس التاريخ والحضارة الفرنسية في جامعة السوربون بباريس .
كم كان محظوظاً أنْ يُجالس تلك السيدة والعالمة التي دخلت بوابة التاريخ الإنساني بزهو وخيلاء .
لم يكن يتخيل يوماً ما هذا اللقاء اللاحق بعد عشرين سنة في منزلها مع الإعلامي القدير / مفيد فوزي حينما أتى باريس لإجراء
حلقة من برنامجه الشهير ” حديث المدينة “
بعد أن صور مفيد فوزي مع صاحبنا اللقاء على متن سفينة تعبر نهر السين وتشق باريس في أجمل لوحة فنية في متحف باريس
المفتوح في كف الجمال.
بعدها ذهب مع صاحبنا للقاء العالمة كاهنة الأثار المصرية في بيتها لنسجل للتاريخ عبر التليفزيون المصري أروع اللحظات مع تلك
الراهبة في محراب الحضارة المصرية القديمة .
من هي كريستيان …؟
سيدة فرنسية كانت تناهز السبعين من عمرها , تظهر بوضوح تعاريج الزمن وخطوطه على وجهها , بينما تنطلق من تلك الخطوط
الغائرة حكمة الزمن وعراقة العلم والفكر , وُلدت في باريس في 17 نوفمبر سنة 1913 , تُعدُ وريثة للعالم الفرنسي الكبير
شامبليون الذي فك رموز حجر رشيد ليفتح باباً واسعاً لدراسة أسرار الحضارة المصرية القديمة وترجمة العديد من النصوص
المصرية القديمة باللغة الهيروغليفية إلى الفرنسية .
دفعها فضولها إلى عشق أسرار الحضارة المصرية القديمة ولاسيما بعد اكتشاف مقبرة ” توت عنخ آمون ” على يد الأثري
الإنجليزي ” هوارد كارتر ” في 4 نوفمبر 1922
التحقت بقسم الآثار المصرية بمتحف اللوفر , وكانت أول امرأة تلتحق بالمعهد الفرنسي للأثار الشرقية , وأول امرأة تتولى
الإشراف على أعمال الحفر والبحث عن الآثار في مصر , ساهمت كريستيان نوبلكور في الحفاظ على الآثار المصرية خلال الحرب
العالمية الثانية والتي هُزمت فيها فرنسا من النازية الألمانية , اخفت تلك الأثار في أماكن أمنة ولما انتهت الحرب قامت بإرجاعها
للمتاحف, والجدير بالذكر أنها انضمت لصفوف المقاومة الفرنسية للدفاع عن فرنسا .
دخلت كريستيان من أوسع بوابات التاريخ العالمي حينما نادت وقادت حملة إنقاذ أثار النوبة .
كافحت ” نوبلكور” عشرون عاماً لإنقاذ إرث الإنسانية وإنقاذ معابد النوبة من اجتياح سد أسوان وبحيرة السد العالي جنوب مصر
مما لاشك فيه أن للثقافة دوراً كبيراً في حياة الشعوب , لقد شكّلت كريستيان مع المثقف الفرنسي الكبير
” أندريه مالرو ” وزير الثقافة في عهد الجنرال شارل ديجول , بدأت كريستيان نوبلكور بإطلاق حملة لإنقاذ معابد النوبة عبر
منصة اليونسكو لجمع التبرعات من العالم كله وبالفعل استجاب العالم وتم نقل 14 معبداً من أماكن هددتها المياه إلى أماكن آمنة .
تولت ” نوبلكور”منصب محافظة لقسم الآثار الفرعونية بمتحف اللوفر , هذا المنصب الذي كان يشغله من قبل ” شامبليون “
نوبلكور لها محاضرات في القاهرة والإسكندرية وكانت تشارك في مؤتمرات الدعوة لتنشيط السياحة لمصر .
كان هذا هو اللقاء الأول مع تلك العبقرية العالمية الفذة فوق السحاب على متن طائرة أير فرانس
حصلت كريستيان نوبلكور على جوائز متعددة وقد منحها الرئيس الفرنسي السابق ” جاك شيراك ” وسام الشرف بدرجة ضابط كبير
تركت نوبلكور للمكتبة الفرنسية والعالمية إرثاً ثقافياً رائعاً عن الحضارة المصرية القديمة والتاريخ الفرعوني والمرأة في عصر
الفراعنة , مؤلفات لا تُعد ولا تُحصى تُرجمت إلى العديد من اللغات العالمية
رحلت عن عالمنا بعد عمر طويل يناهز 97 سنة في يوم 23 يونيو 2011
بعد قيام ثورة 25 يناير بخمسة أشهر .
أعلنت المضيفة بضرورة التزام الركاب في مقاعدهم , والامتناع عن التدخين , والجلوس في وضع معتدل استعداداً للهبوط في مطار
شارل ديغول الدولي بباريس .
الساعة تشير إلى الثانية والنصف بعد الظهر ودرجة الحرارة خارج الطائرة 31 درجة مئوية
نتمنى أن تكونوا قد استمتعتم معنا على طائرات إير فرانس ونأمل أن نحظى برفقتكم مرة أخرى .
وتهبط الطائرة بسلام على أرض باريس
ودعت ” كريستيان نوبلكور” صاحبنا على أمل اللقاء في باريس بعد أن أهدته رقم تليفونها والذي فُقد منه
ولكن حان اللقاء بعد عشرين عاماً , حينما اتصل به المحاور الإعلامي القدير مفيد فوزي الذي جاء إلى باريس لإجراء حلقة من
برنامجه الشهير ” حديث المدينة “
مع بعض الشخصيات المميزة من الفرنسيين والمصريين المقيمين في فرنسا
وكان صاحبنا أول تلك القائمة وأيضاً كريستيان نوبلكور
اتصلت السفارة المصرية بباريس لعالمة الآثار العالمية نوبلكور وكان لنا اللقاء على شاشة التليفزيون المصري
قلت لكريستيان بعد أن ذكرتها بتلك الرحلة وقد تجاوزت الثمانون عاماً
” إني أحبك يا كريستيان “
قالت له وأنا كذلك ياولدي
أتمنى أن أراك عالماً ومفكراً كبيراً تفتخر به بلاد الفراعنة
مثلما قال طه حسين مخاطباً سوزان
” إني أحبك يا سوزان “
وغادر صاحبنا الطائرة وذهب يبحث عن حقيبته التي لم يجدها ….!!
ماذا حدث له ….؟
هذا ما سوف نعرفه
في الحلقة القادمة إن شاء الله
إقرأ الحلقة السابقة يوميات مهاجر في بلاد الجن والملائكة الحلقة التاسعة