حياة الفنانين

رندلى منصور “لحظة انفجار بيروت كانت بحجم حرب كاملة أعادتنا إلى ذكريات الحرب وأهوالها

رندلى منصور شاعرة وروائية لبنانية

لحظة واحدة استطاعت أن تحول كل ما فى داخلى عن الوطن انفصاماً ومسخ وطن.

• كورونا جعلتنا نقترب من أنفسنا وأجبرتنا على التأمل بما يدور حولنا

• قصائدي بالفصحى لأنى أعشقها بكل ما فيها من صعوبات ولا أعرف التعبير عما فى داخلى إلا من خلالها .

• المرأة هى أكثر من نصف الرجل لآنها تقوم بتربية وصنع الرجل ولقد جربنا الرجال فى الحكم فلماذا لا نجرب عصر النساء ايضاً.

ضيفتنا هذه المرة شاعرة وروائية لبنانية عاشت طفولتها الأولى بقطر وتخرجت فى مدرسة الآنترناشونال الثانوية وحصلت على الشهادة العليا من الجامعة الياسوعية قسم اجتماع ببيروت كما حصلت على ماجيستير ادارة الآعمال فى الموارد البشرية وتستعد الآن للحصول على شهادة الدكتوراة فى ذات المجال بالإضافة أنها ناشطة فى أعمال تطوعية وكاتبة فى الكثير من الجرائد و ضيفة دائمة على القنوات الفضائية وعضوة ورئيسة فى الكثير من المنتديات واللجان الثقافية والتربوية وقد رحبنا بضيفتنا الشاعرة الرقيقة رندلى منصور وطرحنا عليها التسأؤلات الآتية

إعداد وحوار: عماد وديع

إخراج / ريما السعد

كورونا كيف أثرت على حياتنا اليومية و الادبية؟

كورونا فيروس غيّر حياتنا بالكامل، عاداتنا اليومية، أسلوب حياتنا، لقاءاتنا، وبالتالي أثرت على نظرتنا للحياة، وبرأيي جعلتنا نقترب أكثر من أنفسنا وأجبرتنا على التأمل بما يدور حولنا وبمدى التغير الذي أجبرتنا كورونا بالقيام به؛ ومن هذه المتغيرات كانت حتمًا حياتنا الأدبية، نجد من كتب عنها ومنّ وصف تجربته خلال العزل ومن المؤكد أن الكثير من الأعمال الأدبية والفنية حاليًا ستتناول هذه التجربة الفريدة التي اجتاحت العالم بأسره فِي السنوات القادمة

لكن ما تأثرنا به بشكل مباشر كان توقف سلسلة اللقاءات الأدبية التي كانت تقام بشكل شبه يومي، والأمسيات الشعرية واللقاءات والندوات الأدبية إلى أن تمّ التأقلم مع الوضع الحالي وحلّ محل اللقاءات المادية الحقيقية فضاءات أدبية وفنية افتراضية سمحت باللقاءات لكن بشكل ونكهة جديدة وغريبة لم نكن يومًا نظن أنّنا سنكون سرعي التحول إليها لتحتلّ كلّ مساحاتنا اليومية

هل يمكن أن يصاب الكاتب والشاعر بالإحراج من ارتداء الكمامة في الندوات العامة خاصة لو كانت إمرأة ؟

أظن أن لهذا السؤال شقين: الأول هو المشاركة المباشرة في القراءة أو الإلقاء أو الحوار بوجود الكمامة وهو طبعًا ليس بالأمر السهل لا من حيث الأداء ولا من حيث الصوت، فهذا يستهلك طاقة أكبر من المرسل والمتلقي، وهذا قد ظهر في مختلف محاور الحياة اليومية، أما الكاتب أو الشاعر بخاصة، الذي يعتمد على الإلقاء والصوت، فبالطبع سيتأثر على الأقل ٥٠٪؜ حتى وإن كان الشاعر رائعًا في كلّ التفاصيل،فى الإلقاء ومخارج الحروف والصوت، لأن الكمامة ستخفي جزءًا كبيرًا من ذلك بالإضافة إلى جزء كبير من تفاعلات الوجه وتقاسيمه مع الكلام.

أمّا الشقّ الثاني، فهو المظهر العام، وهنا طبعًا المتأثر الأكبر هو المرأة فهي تُعنى بمظهرها وطبعًا خلال الأمسيات واللقاءات هناك استعمال لمساحيق التجميل وبالتأكيد هذا يتأثر بشكل سلبي بالكمامة.

لكن من وجهة نظري كلّ ذلك يمكن تخطيه إن كنّا نؤمن أن الشاعر والكاتب حامل لرسالة، وهذا بنظري هو الأكثر أهمية وفاعلية، وفِي جائحة كورونا يجب أن يظهر كل مسؤول وكل صاحب رسالة وقضية بالكمامة، لأنه يجب أن يكون مثالًا يحتذى به.

ما هو دور المثقف أو الكاتب في الواقع الاجتماعي المعاش؟

أولًا، يجب أن يكون كلّ كاتب مثقف، وإلا ما يكتب ليس له داعٍ، ولا ضرورة لنشره لكن ليس بالضرورة أن يكون كل مثقف كاتب!

دور المثقف أن تكون قنوات الإستشعارلديه التي من خلالها يتم التنبؤ بأي تغيّر إجتماعي، سياسي، إقتصادي، في بيئتنا المعاشة ودوره فهم الأسباب واستشراف التبعات والنتائج حتّى يهيّء بيئته لهذا التغيّر وتدريب البيئة على التعامل مع المتغيرات، والفارق الوحيد الذي يضاف للكاتب أن إتصاله وتواصله أكبر لأن النشر أداة تواصل تكسر حواجز البيئة المحيطة والقريبة لتسمح له بالتسلّل إلى شريحة أوسع وأكبر.

أمّا المصيبة التي نعيشها اليوم، هي أنّنا نحيا في أمّة لا تقرأ، بئس هذا الزمن الرديء الذي قلب كلّ المعايير وشوّهها.

لماذا تفضلين استخدام اللغة الفصحى في قصائدك؟

لآنها لغة الضاد، ومنبع كلّ لهجاتنا في الدول العربية، وحتى إن أراد الأجنبي تعلّم اللغة العربية، سيتعلم اللغة الفصحى.

والدي هو من زرع في داخلي هذه اللغة العربية وحبّها، أنا في الحقيقة أعشقها، أستسيغها بكلّ ما فيها من صعوبات وتعقيدات أحيانًا، لكنّها لغة رائعة بل ساحرة، ولا أعرف التعبير عمّا في داخلي إلا من خلالها.

حتّى وأنا مع أقرب المقربين حين أريد أن أكون صادقة في التعبير وأحتاج لعبارات صادقة قوية ومعبرة لأعبّر عن إهتمامي وحبّي ومشاعري، أستعمل الفصحى حتّى في حياتي اليومية،هي لغة القلب والصدق عندي.

 

كيف ترين ترشح المرأة للرئاسة كما الحال فى تونس الآن؟

تعودنا على سماع عبارة المرأة نصف المجتمع، وحتّى أكون منصفة أقول المرأة ٣/٤ المجتمع، نصفه من حيث العدد والربع الذي أضفته، هو التربية التي تقوم بها المرأة في صنع الرجل الذي نتقاسم معه حياتنا.

فإذا فهمنا ذلك جيدًا سنعلم أنها من صنع الرجال والقادة، فلماذا لا تبادر في الترشح؟! وعندي مقولة أكررها دومًا، لقد جرّبنا الرجال في الحكم، فلماذا لا نجرّب عصر النساء؟!

 ما آخر أعمالك الأدبية والشعرية ؟

مجموعة أعمال، منها ما هو جاهز للنشر، لكن بسبب ما جرى أواخر السنة الماضية أي ٢٠١٩، من ظروف سياسية وإقتصادية، جعلتني أتريث في النشر بعدها هاجمتنا كورونا التي بدأت تتفاقم حاليًا، ستجعلني أنتظر أكثر.

وإصداران، الأول رواية إجتماعية جديدة، والثاني، ديوان شعر، كما أعلن عبر منبركم الكريم مفاجأة لكلّ الأصدقاء، أني بصدد كتابة سيناريو لمسلسل، أرجو أن يلقى النجاح الذي يستحق، فكرته جديدة جدًا وتتناول موضوع حقيقي جدًا واجتماعي، وهذا طبعًا عالم جديد بدأت خوض غماره، كما أني بدأت كتابة رواية جديدة. بصراحة أتمنّى فعلًا أن تسعفني الظروف قريبًا حتّى أنشر ما هو الجاهز للنشر

كيف يقوم الفنانون والشعراء والأدباءلديكم بمساعدة لبنان في الظروف الراهنة الاقتصادية والسياسية ؟

الوعي، ثم الوعي… بالنسبة لي بصراحة، لا أرى الفنان أو الشاعر إلا مثقفًا، وطبعًا كما ذكرت آنفًا، دور المثقف في المجتمع التي يجب أن يلعبها أن يمتلك من الشعبية والقبول الشيء الكبير، فدوره فاعل ووازن ويكون مسؤولًا.

لكن مع الأسف، قلّة قليلة يتحركون بهذا المنحى، لأنّنا في لبنان أناس طبعنا بآفات صعب التخلص منها لأنها جميعًا أقوى من المبدأ وهذه هي الكارثة الأساس.

والوطنية هي القاعدة، لا شيء مسموح أن يكون أغلى من الوطن، وفي لبنان لم يبقَ من الوطنية إلّا شعار إنتخابي، والحقيقة لا وجود لها مطلقًا في قاموس لبنان

لسنا مستعدين للتخلي عن حريتنا ما أعرفه وأفهمه عن الحريّة، هو أن أكون فردًا يمتلك كرامة وعزة ولا يقبل بالذل والمهانة، ووطني هو الذي يكفل كرامتي التى هى فوق كلّ اعتبار.

أمّا نحن تربينا على الولاء المطلق والأعمى للزعيم، أي مازلنا نحيا في العصر القبلي والعشائري، مع احترامي للقبائل والعشائر، لكن المفهوم المرتبط بالدولة يكون بالولاء الصادق للوطن والأرض وإذا لم نشعر بإنتمائنا إلى كل حبّة تراب لا يمكن أن نخدم لبنان.

وبما أن الفنانون والأدباء والشعراء جزء من هذه التركيبة، فهم لا يتذكرون لبنان ويمتدحون الوطنية إلا على المسارح والمنابر أيام الأعياد الوطنية وحين يصار التوجيه لأي حزب أو إنتماء طائفي، تخرج الحقيقة واضحة صريحة في الدفاع الشرس عن الجزء حتّى لو أُحرق الكل. طبعًا هذا مؤلم جدًا لكنّه الحقيقة المطلقة من دون ألوان

 كيف تلقيتِ كشاعرة لبنانية صدمة إنفجار مرفأ بيروت؟ وكيف سيكون تأثير ذلك على اعمالك الآدبية و قصائدك القادمة؟

حتّى الآن غير قادرة على تقبل ما جرى من ناحية الإهمال والإستخفاف بحياة المدنيين، من موظفين وطاقم الدفاع المدني لحظة واحدة بحجم حرب كاملة، لحظة واحدة أعادتنا إلى الحرب وأهوالها لحظة استطاعت أن تحوّل كلّ ما في داخلي عن الوطن، إنفصامًا، مسخ وطن

في ليلة الإنفجار كان عندي أمسية شعرية عبر النت، لم أستطع عندها إلا الإعتذار، واغلقت بعدها كل وسائط التواصل الإجتماعي من فايسبوك وانستغرام ثم عدت الى ليلة ذكرى الأسبوع الأول للإنفجار بفيديو لايف على فايسبوك، في لحظة المسيرة التي أقيمت ولكني لم أملك جرأة كافية لأواجه ألام الناس مباشرة، ولم أملك جرأة مواجهة عيون الأمهات وقلوبهن، لم أستطع أن أتواجد في تلك اللحظة، ومواجهة جرح بيروت، فاكتفيت بالنظر إليها من شرفة منزلي

حتّى اليوم لم أستطع العودة إلى الحياة، وغير قادرة، حتّى أكون صادقة مع نفسي، ووفيّة لدماء بيروت وتاريخها،و نازفة بحجم ألم هذا الجرح العميق الذي ذبح ذاكرة لبنان من الوريد إلى الوريد،لا أستطع حتّى اليوم كتابة أي شيء بعيدًا عن ذلك، لست قادرة إلا الكتابة بدماء كل من نزف على هذا التراب اللبنانى ذاكرتي مجروحة لكنّها ممتلئة بمشاهد ذكريات مؤلمة حين ولدت وقد بدأت الحرب الأهلية، وكنت شاهدة على كل محطاتها وكل صراعنا مع العدو الإسرائيلي، وأعترف أنه رغم فظاعة ما عشناه خلال كل ما فعله الكيان الصهيوني بِنَا، كان أخف وطأة علينا لأنه يحمل قضية، فالموت خلال تلك الحرب كان شرف، وولاء ووفاء لتراب الوطن، أمّا كل ما عدا ذلك عار، عار لم أستطع فهمه لذلك لم ولن أسكت… الساكت عن الحق شيطان أخرس ولن أكون شيطانًا ولن أخرس

فأنا حقيقة مازلت تحت وطأة الصدمة والألم والزمن والوقت سيكون مساعدا لكن نحتاج الكثير من المجهود لنعود إلى الحياة الطبيعية

ترميم أرواحنا أصعب بكثير من ترميم المباني رغم صعوبة ذلك أيضا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock