عام
قلب أمي
فاضل العباس “العراق”
لم يعد قلب أمي ينبض كما كان .القلب الذي وسع الدنيا بهمومها واختزالها للفرح .فقد فارقت الحياة في قسم العناية المركزة للقلب إلى الأبد، بعد أن أحصى عدد الجنائز التي مرت به ملفوفة بعلم العراق وهي تتجه للمدن البعيدة كلا منها ستثكل أماً او ترمل زوجةً او تيتم طفلاً. كلما وقعت عيناها على جنازة تحس بنوبة قوية كسكين تضرب قلبها وتتلف جزءً منه.
اتذكر ذلك اليوم الذي نوديَّ عليَّ من قبل أحد القادمين من مقر اللواء بأن أمك تنتظرك في الخلفيات.
المعارك على أشدها في جبهة نينوى واقترب العدو من خطوطنا الأمامية وأصبحنا بتماس شديد معه.
بقى فوجنا صامداً يقاتل بضراوة وشدة في جيوبٍ ضيقةٍ.
كنا ننتظر الموت في اللحظةِ فقد سقط الكثير من شدة القصف وكثافة النيران حتى الجرحى كان صعباً اخلاؤهم في تلك الظروف، لذا مات العديد منهم.
آمر فوجنا أبلغنا بالقتال حتى الموت ولو بالسلاح الأبيض لأننا بعيدون عن أمدادات قواتنا ونحتاج وقتاً طويلاً قبل ان يصلنا الدعم.
فقدت السيطرة واصبت بذهول وحيرة عند سماع خبر تواجد أمي. ركضت دون وعي واحتراس باتجاه الخندق الذي يقاتل فيه آمر الفوج بكل ما أملك من قوة وكانت القذائف والرصاص كالمطر يسقط هنا وهناك في أرض لا حرمة فيها لأي شيء.
سيدي: أن أمي تنتظر من البارحة في الخلف .فتح عيناه اللتان غطاهما التراب والدخان وبان عليهما التعب والسهر بصعوبةٍ وسالت دمعة منهما.
سمح لي بالانصراف والذهاب للقائها.
ركضت بجنون دون الشعور بالمخاطر التي تحيط بيّ إلى الخلف رغم ثقل المعدات والسلاح الذي أحملهما.
القذائف تتساقط في كل الاتجاهات صانعة حفراً وأكوام من الاتربةِ .
لم أنسى تلك اللحظة التي لمحت فيها ذراع أمي المخمرة بعبائتها وهي ترفعهما الى السماء، أرادت أن تركض باتجاهي لكن المفرزة العسكرية منعتها ، خوفاً عليها من القصف. كانت تحتمي بساتر من أكياس الرمل لكنها أصرت على الوقوف على طولها متناسية الموت الذي يحيط بالمكان.أحتضنتها لنصف ساعة دون كلام وانا في حجرها كطفل صغير انظر لعينيها اللتين انهكهما السفر والتعب وغبار المعركة
لا أعرف من أخبرها بإن لواءنا مطوق فأما الموت او الاستسلام. ابكت كل الجنود من حولنا، حين رددت: الآن عاد لي قلبي بعد أن فارقت الكثير منه في الطريق وانا أعد الجنائز التي تصادفني وأحسبك في واحدةٍ منها .ودعتُ أمي
وعدتُ للمعركة وعادت أمي للمدينة بقلبها المتعب الذي تعبت فيه صماماته وضعف مع الزمن ليتوقف نهائياً لكنه بقي معي أشعر به كلما أحسست بضيق أو شدة في هذه الدنيا.