كم مقزز ذلك المنظر الذي تجد فيه الشعب يقف طوابير أمام الدوائر ، بهذه الأجواء الحارة وقبلها الباردة الماطرة فيما الموظفون يتبخترون تحت السبالت والتبريدات والماء والعصائر المثلجة – على أقل من مهلهم – يستمتعون في الفيس وتوتير واليوتيوب وغير ذلك الكثير مما يجعل المواطن المسكين آخر اهتماماتهم .. واذا ما تذكروه فان مفردة تعال بعد أسبوع اسهل من العلك في افواههم .
والسؤال هنا لماذا هذا التفاوت السلطوي لماذا الشعب يقف تحت أشعة الشمس وتحت رحمة الموظف بمسمياته وعناوينه المتعددة في ظل حكومات دكتاتورية بغيضة ام ديمقراطية هجينة .
( أن المفاهيم ، المتداولة كالديمقراطية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية … لا قيمة ولا معنى لها ، ان لم تحقق المساواة وتزيل الفوارق الطبقية الشاسعة ، كما يتضح ذلك في شعر راسي الأصلع وذقني الكث الطويل . فكم تمنيت ان يكون التوزيع عادلا بين فروة الراس وشعر اللحية .. حتى لا يتشوه منظر الوجه ) .تلك كانت من جملة المفارقات الطريفة التي خطب فيها برناردشو أمام الجموع عن العدالة الاجتماعية .
كم تشمأز النفس الأبية لمنظر الكبار والعجزة والمرضى وهم يفترشون الشوارع والارصفة .. فما أسهل أن يقولوا للمراجع برغم الحر والزخم والجهد والبذل والتعب : ( هات صحة صدور ، او اسمك خطا صححه بالجنسية او هات بطاقة سكن جديدة وهلم جرا .. من متاعب وأساليب رخيصة غير نزيهة تقبض على لحية المواطن الفقير المسكين المضحي تستنزف جيبه دون رجالات السلطة او المسلحين او الأحزاب التي تمشي معاملاتهم على عجالة وهم في البيوت اذ لا يتجرأ أحد أن يقول لهم ثلث الثلاثة كم ) .
يبقى ابو ذر الغفاري ، ذلك الصوت العربي – القح – بضميره الصحراوي الإسلامي ، الذي تفجر على الواقع الفاسد في إشراقة صدر الأمة ومن على منابرها وفي شوارعها ، بجهارها بلا موانع ولا كوابح : ( عجبت لمن لا يمتلك قوت عياله ولا يخرج حاملا سيفه ) . إنها ليست دعوة للصوصية والقتل ونهب المؤسسات والتعدي على النظام العام ، فإن الله جل مقامه يعي ويعرف تماما من هم اولياؤه الصالحون . فلا حاجة الى أزياء وأشكال ونماذج صنيعة كل زمان ، لقد اعلن الغفاري العصيان المدني باحلى ابهته وأشرف مقامه وتفانيه وبذل مهجته ، عصيان على المنظومة الأخلاقية الحاكمة ، التي جعلت التفاوت الطبقي ديدنا حتى تجلت الجاهلية الجديدة باسوء اشكالها .. إن احترام المواطن دليل على حسن النظام وحضارة الوطن ) .